الشنقيطي
269
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال مقيّده عفا اللّه عنه وغفر له : الّذي يظهر لي واللّه تعالى أعلم أنّ الآية ليس يتعيّن فيها قسم ؛ لأنّها لم تقترن بأداة من أدوات القسم ، ولا قرينة واضحة دالّة على القسم ، ولم يتعيّن عطفها على القسم . والحكم بتقدير قسم في كتاب اللّه دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام اللّه بغير دليل يجب الرّجوع إليه . وحديث أبي هريرة المذكور المتّفق عليه لا يتعيّن منه أنّ في الآية قسما ؛ لأنّ من أساليب اللّغة العربيّة التّعبير بتحلّة القسم عن القلّة الشّديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلا . يقولون : ما فعلت كذا إلّا تحلّة القسم ، يعنون إلا فعلا قليلا جدّا قدر ما يحلّل به الحالف قسمه . وهذا أسلوب معروف في كلام العرب ، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته : تخدي على يسرات وهي لاصقة * ذوابل مسّهنّ الأرض تحليل يعني : أنّ قوائم ناقته لا تمسّ الأرض لشدّة خفّتها إلا قدر تحليل القسم ، ومعلوم أنّه لا يمين من ناقته أنّها تمسّ الأرض حتى يكون ذلك المسّ تحليلا لها كما ترى . وعلى هذا المعنى المعروف : فمعنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إلّا تحلّة » أي لا يلج النّار إلا ولوجا قليلا جدّا لا ألم فيه ولا حرّ ، كما قدّمنا في حديث جابر المرفوع . وأقرب أقوال من قالوا : إنّ في الآية قسما قول من قال إنّه معطوف على قوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ [ مريم : 68 ] لأنّ الجمل المذكورة بعده معطوفة عليه ، كقوله : ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ ، وقوله : ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ وقوله : ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك . أمّا قوله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فهو محتمل للعطف أيضا ، ومحتمل للاستئناف . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) [ 73 - 74 ] . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : خَيْرٌ مَقاماً قرأه ابن كثير بضمّ الميم . والباقون بفتحها . وقوله : ورئيا قرأه قالون وابن ذكوان « وريّا » بتشديد الياء من غير همز . وقرأه الباقون بهمزة ساكنة بعد الرّاء وبعدها ياء مخفّفة . ومعنى الآية الكريمة : أنّ كفّار قريش كانوا إذا يتلوا عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه آيات هذا القرآن ، في حال كونها بيّنات أي مرتّلات الألفاظ ، واضحات المعاني ، بينّات المقاصد ، إمّا محكمات جاءت واضحة ، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات ، أو تبيين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قولا أو فعلا ، أو ظاهرات الإعجاز تحدّي بها فلم يقدر على معارضتها - أو حججا وبراهين . والظّاهر أنّ قوله : بَيِّناتٍ حال مؤكّدة ؛ لأنّ آيات اللّه لا تكون إلّا كذلك . ونظير ذلك قوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [ البقرة : 91 ] أي إذا تتلى عليهم آيات اللّه في حال